الثعالبي

394

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقوله سبحانه : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا . . . ) الآية : وعيد وتهديد ، وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف ، وروى ابن المبارك في " رقائقه " ، قال : أخبرنا الأوزاعي عن عروة بن رويم ، قال : قال رسول الله / صلى الله عليه وسلم : " شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم ، وغذوا به ، همتهم ألوان الطعام ، وألوان الثياب ، يتشدقون بالكلام " . انتهى . وقوله : ) فسوف يعلمون ) : وعيد ثان ، وحكى الطبري عن بعض العلماء ، أنه قال : الأول في الدنيا ، والثاني في الآخرة ، فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين . وقوله : ( ويلههم الأمل ) : أي : يشغلهم أملهم في الدنيا ، والتزيد منها . قال عبد الحق في " العاقبة " : اعلم رحمك الله أن تقصير الأمل مع حب الدنيا متعذر ، وانتظار الموت مع الإكباب عليها غير متيسر ، ثم قال : واعلم أن كثرة الاشتغال بالدنيا والميل بالكلية إليها ، ولذة أمانيها تمنع مرارة ذكر الموت ، أن ترد على القلب ، وأن تلج فيه ، لأن القلب إذا امتلأ بشئ ، لم يكن لشئ آخر فيه مدخل ، فإذا أراد صاحب هذا القلب سماع الحكمة ، والانتفاع بالموعظة ، لم يكن له بد من تفريقه ، ليجد الذكر فيه منزلا ، وتلفي الموعظة فيه محلا قابلا ، قال ابن السماك رحمه الله : إن الموتى لم يبكوا من الموت ، لكنهم بكوا من حسرة الفوت ، فأتتهم والله ، دار لم يتزودوا منها ، ودخلوا دار لم يتزودوا لها . انتهى . وإنما حصل لهم الفوت ، بسبب استغراقهم في الدنيا ، وطول الأمل الملهى عن المعاد ، ألهمنا الله رشدنا بمنه . وقوله سبحانه : ( وما أهلكنا من قرية . . . ) الآية : أي : فلا تستبطئن هلاكهم ، فليس من قرية مهلكة إلا بأجل ، وكتاب معلوم محدود . ( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر . . . ) الآية : القائلون هذه المقالة هم كفار قريش ، و " لو ما " بمعنى : لولا ، فتكون تحضيضا ، كما هي في هذه الآية ، وفي البخاري :